الشيخ محمد رشيد رضا
383
تفسير القرآن الحكيم ( تفسير المنار )
الرسول إياه قبل نزوله عليه عيبا يذم به ، إذ لا يذم الانسان الا بما يقصر في تحصيله وكسبه . وقد أمر اللّه تعالى رسوله بأن يسأله زيادة العلم ، وكان يزيده كل يوم علما وكمالا بتنزيل القرآن وبفهمه ، وبغير ذلك من العلم والحكمة ، ولا يقتضي ذلك الذمّ قبل هذه الزيادة ، وانما الذي يذم مطلقا هو الجهل المرادف للسفه وهو ضد الحلم . ويشبه ما هنا قوله تعالى لنوح حين طلب نجاة ابنه الكافر بناء على أنه من أهله الذين وعده اللّه بانجائهم معه ( يا نُوحُ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أَهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غَيْرُ صالِحٍ فَلا تَسْئَلْنِ ما لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ إِنِّي أَعِظُكَ أَنْ تَكُونَ مِنَ الْجاهِلِينَ ) أي بادخال ولدك الكافر في عموم أهلك المؤمنين ، وانما اقترن النهي هنا بالوعظ لان عاطفة الرحمة الوالدية حملته على سؤال ما ليس له به علم اعتمادا على استنباط اجتهادي غير صحيح ، ورحمة خاتم الرسل ( ص ) كانت أعم وأشمل ، وغاية ما تشير اليه الآية انه تمنى ولكنه لم يسأل ، ولو سأل لسأل آية يهتدي بها الضال من قومه ، لا نجاة الكافر من أهله ، فاكتفي في ارشاده بالنهي ، وحسن في ارشاد نوح التصريح بالوعظ * * * ( 36 ) إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ ، وَالْمَوْتى يَبْعَثُهُمُ اللَّهُ ثُمَّ إِلَيْهِ يُرْجَعُونَ ( 37 ) وَقالُوا لَوْ لا نُزِّلَ عَلَيْهِ آيَةٌ مِنْ رَبِّهِ ، قُلْ إِنَّ اللَّهَ قادِرٌ عَلى أَنْ يُنَزِّلَ آيَةً وَلكِنَّ أَكْثَرَهُمْ لا يَعْلَمُونَ بين لنا تعالى في الآية السابقة انه لو شاء لجمع الناس على الهدى ولكنه لم يشأ ان يجعل البشر مفطورين على ذلك ، ولا ان يلجئهم اليه إلجاء بالآيات القاسرة ، بل اقتضت حكمته ومضت سنته في البشر بأن يكونوا متفاوتين في الاستعداد ، عاملين بالاختيار ، فمنهم من يختار الهدى على الضلال ، ومنهم من يستحب العمى على الهدى ، ثم بين لنا في هاتين الآيتين ان الأولين هم الذين ينظرون في الآيات ، ويعقلون ما يسمعون من البينات ، وأن الآخرين لا يسمعون ولا ينظرون حتى كأنهم من الأموات ، فقال عز وجل * * * إِنَّما يَسْتَجِيبُ الَّذِينَ يَسْمَعُونَ يقال أجاب الدعوة إذا أتى ما دعي اليه من